وضع النبي ﷺ صحيفةً مكتوبةً بين أهل المدينة، من المهاجرين والأنصار وقبائل اليهود، حدّدت الحقوق المشتركة وأحكام الدفاع المشترك.
لما قدم النبي ﷺ إلى يثرب، التي عُرفت بعد ذلك بالمدينة، وصل إلى بلدة بعيدة كل البعد عن الوحدة. كانت تتجاور فيها جماعات مختلفة: المسلمون الذين هاجروا معه من مكة، وأهل البلدة الذين رحبوا بهم ونصروهم، والقبائل اليهودية المستقرة في المنطقة منذ زمن طويل. وكانت البلدة قد أنهكتها سنوات من التنافس والعداوة بين عشائرها. وفي هذا الجو لم يأت النبي ﷺ بدين جديد فحسب، بل بطريقة جديدة للعيش معاً أمةً واحدة.
وكان جوابه وثيقةً مكتوبة، كثيراً ما تُسمى صحيفة المدينة. وقد بيّنت بوضوح ما على أهل البلدة بعضهم تجاه بعض من واجبات. فجمعت المهاجرين والأنصار والقبائل اليهودية في عهد واحد تتقاسم فيه مسؤولية البلدة. واحتفظت كل جماعة بشؤونها ودينها، غير أنها ارتبطت جميعاً بقواعد مشتركة للعيش في سلام. وأن تضع بلدة في ذلك الزمان مثل هذا الاتفاق كتابةً كان في حد ذاته أمراً لافتاً.
وكان جوهر هذا العهد مسألة الأمن. فقد اتفق أهل المدينة على أن يقفوا صفاً واحداً في الدفاع عن البلدة، بحيث يكون أي اعتداء عليها شأناً يهمّهم جميعاً. ولم يكن لهم أن يتركوا بعضهم بعضاً ليواجه الخطر وحده. أما الخلافات الخطيرة التي يتعذر حلها فكانت تُرفع إلى النبي ﷺ بدلاً من أن تُترك لدورة الثأر القديمة. وعوضاً عن الولاءات المتفرقة، قدمت الوثيقة إطاراً يمكن للجميع أن يطمئنوا إليه.
وكان لتلك اللحظة شأنها لأنها حوّلت بلدة منقسمة إلى ما يشبه بيتاً مشتركاً. وأظهرت أن الإيمان عند النبي ﷺ لم يكن عبادةً فحسب، بل كان أيضاً عدلاً وحسن نظام في الحياة اليومية، يعيش فيه الجيران على اختلاف معتقداتهم في ظل شروط متفق عليها. وأعطت طبيعة هذا العهد الواضحة المكتوبة الناسَ ثقةً في ما هو مطلوب منهم. وصارت أحد الأسس التي قام عليها المجتمع الناشئ في المدينة.
المصادر
مصدر تاريخي
محتوى أوّلي، قيد المراجعة العلمية.
