في مواجهة جيش الأحزاب الكبير، حفر المسلمون خندقًا حول الجهة المكشوفة من المدينة. فأخفق الحصار، وكان نقطة تحوّل في أمن المدينة.
في السنة الخامسة بعد الهجرة، علم أهل المدينة أن تحالفًا كبيرًا يزحف نحوهم. فقد انضمت قريش إلى عدد من القبائل المتحالفة لتكوين جيش واحد عظيم من الأحزاب، أكبر بكثير مما واجهه المسلمون من قبل. وكان الهدف واضحًا. لقد أرادوا القضاء على المجتمع الناشئ في المدينة. وكان الخبر ثقيلًا على المسلمين، وهم الأقل عددًا. فلم تكن هذه غارة سرعان ما ترتد، بل كانت قوة احتشدت لتجتاح المدينة، وقد علم الجميع أن الخطر حقيقي.
كانت المدينة محمية من بعض جهاتها بكثافة بساتين النخيل وبالبيوت المتلاصقة، مما جعل الهجوم من تلك الجهات صعبًا. لكن جهة واحدة مكشوفة كانت مفتوحة، ومن خلالها يمكن أن تتدفق الخيل. وبمشورة سلمان الفارسي، اتُّخِذ القرار بحفر خندق طويل عبر تلك الثغرة، عريض وعميق بحيث لا تستطيع الخيل أن تعبره. وأخذ المجتمع كله العمل على عاتقه معًا، وحفر النبي ﷺ إلى جانبهم. عملوا في البرد والجوع، يربطون الحجارة على بطونهم ليتحملوا ألم الجوع، ويرفعون من معنوياتهم بترديد أبيات التشجيع وهم يعملون.
ولما وصل جيش الأحزاب، وقفوا عاجزين. فقد توقعوا أرضًا مفتوحة، فوجدوا بدلًا من ذلك خندقًا لا يستطيعون عبوره. فأقاموا حصارًا، وعسكروا خارج المدينة، آملين أن يكسروا المسلمين بالضغط والخوف. وامتدت الأيام. وتصف سورة الأحزاب، المسماة بهؤلاء الأحزاب، مدى صعوبة ذلك الوقت، حين بلغت القلوب الحناجر وزُلزِل المؤمنون. ومع ذلك صمدوا. ثم اجتاحت ريح عاتية وبرد قارس معسكر المحاصِرين، فاقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، وفي النهاية تفرّق الجيش العظيم وانسحب.
غيّر فشل هذا الحصار موقع المدينة إلى الأبد. فأكبر قوة جمعها أعداء الإسلام جاءت وذهبت، وما زالت المدينة قائمة. وبعد هذا، لم تشن قريش أبدًا مثل هذا الهجوم على المسلمين مرة أخرى. فقد مال الصراع الطويل لصالحهم. وأكثر ما تذكّره أهل المدينة لم يكن صدام السيوف، إذ لم تكن هناك معركة كاملة، بل صبرهم، ووحدتهم في الخندق، وثقتهم بأن الفرج آتٍ. ولهذا يُعَدّ هذا الموقف نقطة تحوّل، اليوم الذي رُفع فيه التهديد وبدأ المجتمع يشعر بالأمان من جديد.
المصادر
القرآن
مصدر تاريخي
محتوى أوّلي، قيد المراجعة العلمية.
