خزانة
العودة إلى الخط الزمني

السنوات المكية

نحو ٦١٠م • في الأربعين

بدء الوحي

غار حراء قرب مكة

رسمٌ توضيحي لجبال الحجاز الوعرة قرب مكة عند الفجر

في غار حراء نزل جبريل عليه السلام بأوائل القرآن، مطلع سورة العلق، مبتدئًا بالأمر «اقرأ».

لمّا بلغ الأربعين من عمره تقريبًا، كان محمد ﷺ قد اعتاد أن يترك صخب مكة خلفه. كان يصعد إلى غار حِراء، وهو تجويف هادئ في جبل قريب، فيمكث فيه ليالي عديدة، وحيدًا مع تأمّلاته، متوجّهًا إلى ربّه. وكان يحمل معه زادًا يسيرًا، فإذا نفد عاد إلى زوجته خديجة ليتزوّد، ثم رجع إلى تلك الخلوة التي أحبّها. كان رجلًا يبحث عن الحق قبل أن ينزل عليه أيّ كلام بزمن طويل.

وفي إحدى تلك الخلوات تغيّر كل شيء. جاءه الملَك جبريل فقال له: "اقرأ". فأجاب بصدق أنه لا يعرف القراءة. فأخذه الملَك وضمّه ضمًّا شديدًا، ثم أرسله وكرّر الأمر. فقال من جديد إنه لا يعرف القراءة. وبعد المرة الثالثة جاءت الكلمات: "اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم". كانت هذه أوائل آيات سورة العلق، أول ما نزل من القرآن.

نزل من الجبل وقد بلغ منه الفزع مبلغه، وقلبه يخفق بشدّة. فتوجّه إلى خديجة من فوره وطلب منها أن تغطّيه بثوب حتى يهدأ روعه. ولمّا أخبرها بما حدث واعترف بأنه خشي على نفسه، لم تشكّ فيه لحظة واحدة. فطمأنته بكلمات ثابتة، مذكّرة إيّاه بأنه يصل رحمه، ويُعين الفقير والمحتاج، ويُكرم ضيفه، ويقف إلى جانب من نزلت بهم النوائب. ثم أخذته إلى ابن عمّها ورقة، وهو شيخ كبير يعرف الكتب السابقة، فأدرك أن هذا هو الوحي نفسه الذي أُنزل من قبل على موسى.

هذه الليلة الواحدة في الغار هي حيث تبدأ رسالة الإسلام. لم تأتِ إلى ملِك على عرش، بل إلى رجل متأمّل صادق في مكان هادئ، وكانت أوّل كلمة فيها دعوة إلى التعلّم. والأمر "اقرأ" حدّد طابع كل ما تلاه: العلم، والتواضع بين يدي الله، والشكر على ما يعلّمه. وللقارئ اليوم، تظلّ هذه اللحظة تذكيرًا بأن أعظم نقاط التحوّل قد تبدأ في السكون، وأن تجاوب رفيق مخلص مثل خديجة قادر على أن يثبّت قلبًا يواجه أمرًا أكبر منه بكثير.

المصادر

القرآن
القرآن ٩٦:١-٥ (سورة العلق)
حديث صحيحصحيح
صحيح البخاري ٣ (كتاب بدء الوحي)

محتوى أوّلي، قيد المراجعة العلمية.